|
الولايات المتحدة ..
ظالمة أم مظلومة !!!
كلما هبت عاصفة
على ركن قصىّ من أركان المعمورة .. تطلعت أنظار الناس الى
الجزء الشمالى من القارة الأمريكية مستفسرة عن أسباب العاصفة
.. وكلما استفحل خلاف بين دولتين أتهموا المخابرات الأمريكية
بصنعه واذكائه ..
أما فى منطقة
الشرق الأوسط فنصيب الولايات المتحدة من اللوم والاتهام أكبر
.. لأنها حليفة طيبيعية لاسرائيل وشريكتها فى عدة معارك وصديقة
لها منذ الحرب العالمية الثانية .. وعلى الجانب الآخر يقف
الفلسطينيون وخلفهم عشرات من دول المنطقة يولولون ويصرخون
لاستدرار العطف واذكاء الحمية الاقليمية وأحيانا الدينية وفى
الكثير من الأحيان الادعاء بالعروبة والأخوة والجوار .. وعادة
ما تتمخض هذه العاصفة عن لوم شعبى جارف لأمريكا وأدانة للحكام
بالتخاذل فى الرد والتعاطف مع المعتدى ..
ورغم أن
الولايات المتحدة تدعى أن تدخلاتها فى شئون الكثير من الدول
الأخرى ليس هدفا للسيطرة والاحتلال وانما لارساء الديمقراطية
أحيانا .. ومساعدة الجانب المظلوم أحيانا أخرى ..أو لحماية
أمنها ومواطنيها فى الكثير من الأحيان .. الا أنها – فى ظاهر
الأمور - كثيرا ماتأخذ جانب المعتدى وتتصدى للمعتدى عليه ..
كما حدث دائما فى الصراع المستعر بين اسرائيل والشعب
الفلسطينىى .. وظاهر هذا التفسير يختلف كثيرا عن حقيقته ..
ولذلك يحدث الصدام بين شعوب بعض الدول الشرق أوسطية وحكامها
..
وأكثر هذه
االصدامات كانت وما زالت بين الشعب المصرى والنظام الحاكم
وهو أمر له مسبباته المتعددة - ومنها على سبيل المثال لا
الحصر - عداء الشعب المصرى لاسرائيل ..الخلط بين الصواب
والخطأ وهى عادة يستمتع بها الشعب المصرى ..التصاق الحدود مع
فلسطين .. صلات القرابة والود والصداقة بين الشعبين.. وأخيرا
.. السفسطة الدينية التى صارت نبراسا للحكم على الكثير من
الأمور بين أهل المنطقة وخاصة الشعب المصرى ..
أسوق هذا
الحديث كبداية واجبة الى القاء الضوء على ما وقع من أحداث فى
الآونة الأخيرة – التى بدأت بالاستمرار فى بناء المستوطنات ثم
الغارات الاسرائيلية وأخيرا بالهجوم على سفن الحرية - وما ترتب
عليها من ردود أفعال عديدة تبلورت جميعا فى كم هائل من الخطب
العنترية التى أدانت الولايات المتحدة واعتبرتها مسئولة
مسئولية الشريك المتضامن مع اسرائيل .. ثم القاء اللوم على
النظم الحاكمة وأهمها نظام حكم مبارك مع مطالبة هذا النظام الى
سحب السفير المصرى من اسرائيل .. وتمادى البعض الى وجوب قطع
العلاقات مع اسرائيل وانذار الشريك المتضامن ..
أما عن بناء
المستوطنات واستمرار الغارات فقد صارا واقعا وخبرا يوميا
يندر أن تخلو صحيفة شرق أوسطية عن ادراجه أو التنويه عنه ..
ولم يبقى أمامنا للتحليل وعرض الرأى الا واقعقة الاعتداء على
ما يسمى بسفن الحرية ..
وكما قرأت أخيرا
.. فسفن الحرية التى هاجمتها اسرائيل نظمتها أحد فروع هيئة
الاغاثة الدولية من دولة تركيا وبها ناشطون أتراك وبعلم
الحكومة التركية عن حمولة السفن والميناء أو الموانى المتوجهة
لها .. ودون الخوض فى تفاصيل الواقعة أو ما أسند الى الهيئة
المنظمة لهذه القافلة .. فمسئولية ماحدث يقع على عاتق الحكومة
التركية التى سمحت - أو على الأقل غضت الظر – عن هذه الحملة
وسمحت لها أن تخرج من موانيها قبل ابلاغ اسرائيل والحصول على
اذن منها .. طبقا لقواعد وأصول القانون الدولى .. فتركيا كما
يعلم الجميع لها علاقات وطيدة وتمثيل دبلوماسى مع اسرائيل ..
الدولة التركية
فى عهد "اردوغان" لها أطماع اقليمية ومحاولات للتقارب مع الدول
الاسلامية فى المنطقة لاسترجاع ما كان لها من نفوذ وسيطرة -
أو على الأقل هيبة - أيام الحكم العثمانى والدولة العلية ..
وهى طموحات يصعب تحقيقها فى القرن الحادى والعشرين .. وعلى
الجانب الآخر يقف حاجزا لهذه الطموحات علاقات تركيا بدول
الجوار ومعاهداتها مع بعض الدول كاسرائيل والمساعدات التى ترد
اليها من الولايات المتحدة والأحلاف العسكرية وغير ذلك ..
والغريب ..
ورغم أن ضربة اسرائيل أصابت أكثر ما أصابت تركيا والناشطين
الأتراك .. فقد انتظر المتطرفون من دول المنطقة أن تسارع تركيا
بقطع علاقاتها باسرائيل فتحقق لهم ما ينشدونه من "فرقعة "
اعلامية لمن يسيرون فى فلكهم ويتبعون آرائهم .. لكن شيئا من
هذا لم يحدث .. ولن يحدث .. لأن النظم القانونية حتى ولو كانت
فى دول العالم الثالث لا تلجأ الى هذه الأساليب المندفعة الغير
محسوبة العواقب والخسائر .. واكتفى "أردوغان" بخطبة عنترية
يرضى بها هؤلاء الجهلاء الأدعياء .. أغلب الظن أن الذين كتبوها
له قد عاصروا عهد "جمال عبد الناصر" ..
أما الحملة
نفسها فلم تخدم الا أطراف بعيدة عن البقعة الساخنة .. ولم تنجح
الا فى تحويل العيون عن النزاع الأصلى الى نزاع فرعى كان
المعتدى فيه هو الجانب الفلسطينى ..
ويخطئ من يتصور
أن لوم الولايات المتحدة قد يحقق للفلسطينيين حقا أو دعوى ..
كما يخطئ من يتصور أن قطع العلاقات مع اسرائيل قد يخدم القضية
الفلسطينية فى كثير أو قليل .. كما يخطئ من يتصور أن فتح حدود
مصر لكل من هب ودب وترك الباب على مصراعيه للهاربين من بلادهم
قد يحقق فائدة الا لاسرائيل .. ولاسرائيل فقط ..
تحياتى ..
رئيس التحرير
sami@almasry-almohager.com |