ثورة اللوتس المصرية وألف زهرة أخرى
تتفتح
الخميس
،
18
كانون الثاني/يناير 2012
دأب المُراقبون على إطلاق أسماء الزهور على الثورات
الديمقراطية المُعاصرة. وبدأ ذلك مع الثورة التشيكية، التي
قادها الكاتب المسرحي فاكلاف هافل في أواخر
ثمانينات القرن الماضي، وسُميت بالثورة البنفسجية. وجاءت
بعدها الثورة الوردية والثورة البرتقالية في الجمهوريات
السوفييتية السابقة.
وحينما انفجرت ثورات الربيع العربي في مثل هذا
الوقت من العام الماضي، أطلق الأخوة التونسيون على
انتفاضتهم اسم "ثورة الياسمين". واستمراراً لهذا التقليد،
حينما انفجرت ثورتنا الشبابية هنا في مصر، أطلقت أنا عليها
اسم "ثورة اللوتس". لأن اللوتس زهرة مصرية أصيلة، ظهرت على
نقوش المعابد المصرية القديمة، منذ حوالي خمسة آلاف سنة.
وانقطع ظهورها في نقوش وأدبيات المصريين، بعد أفول حضارتهم
الفرعونية. وظل الأمر كذلك إلى عصر النهضة المصرية في
منتصف القرن التاسع عشر، وبدايات إحياء فنون الرسم والنحت
والموسيقى، والأخذ بفنون جديدة مثل المسرح والسينما
والباليه.
وعاد المصريون للاعتزاز بتراثهم الفرعوني، ومنه
اتخاذ زهرة اللوتس كأحد رموزهم. ولذلك إذا كان لنا أن
نختار اسم زهرة مصرية لثورة يناير الشبابية المجيدة، فلتكن
"اللوتس".
وبمناسبة العيد الأول لثورة اللوتس، ما الذي
يمكن أن نذكره لها من إنجازات؟
لقد سمعت كثيرون، يُرددون أن تلك الثورة لم
تُغير شيئاً في حياتهم. فاليوم بالنسبة لهم مثله بالأمس،
وأول أمس (أي العام الماضي وقبل الماضي). وقد يكون ذلك
صحيحاً للبعض. ولكن هناك بين من قلبت الثورة حياتهم رأساً
على عقب، أسرة الرئيس السابق محمد حسني مُبارك،
وحوالي مائة أسرة أخرى من أصدقائهم، الذين تغيرت أحوالهم
إلى الأسوأ، حيث فقدوا السُلطة والنفوذ والجاه، والاحترام
والشرف. وهناك ما نُقدره في مركز ابن خلدون، بألف أسرة
أخرى، من أنصارهم، الذين كان أربابها في مواقع المسئولية
بأجهزة الدولة، وقيادات الحزب الوطني، الذي كان يحكم مصر.
هؤلاء يُمثلون الشريحة الأعلى طبقياً. فإلى جانب النفوذ
السياسي، والوجاهة الاجتماعية، كان متوسط الدخل السنوي
لأفرادها يتجاوز المليون جنيه ـ أي حوالي ألف مرة متوسط
الدخل السنوي لبقية أبناء مصر. نعم، نحن نتحدث عن شريحة
طبقية تمثل أقل من واحد في المائة، من إجمالي السُكان.
هذا التغير في أحوالها وهو ما يُطلق عليه عُلماء
الاجتماع "الحراك الاجتماعي" (Social
Mobility)
والذي يمكن أن يكون إلى أعلى أو إلى أدنى.
والغريب أنه لم يحل مكانهم الشريحة التي قامت
بالثورة، وهو استثناء تاريخي نادر. ولكن مصر هي بلد
الاستثناءات الصارخة، حتى في نتائج الثورات. إذ يبدو أن
الذين قاموا بالثورة من الشباب لم يصعدوا إلى الشريحة
الأعلى، ولم يتبوأ أي منهم موقعاً من مواقع السُلطة. بل أن
الشاهد هو أن الذين صعدوا خلال العام الأول بعد الثورة هم
الإسلاميون، الذين جاء بعضهم للثورة بعد عدة أيام من
قيامها وهم الإخوان المسلمين، أو لم يٌشاركوا فيها على
الإطلاق، وهم السلفيون.
ولكن هذا، أي دخول الإسلاميون حلبة السياسة
يُعتبر أحد ثمار الثورة المجيدة. فبعض هؤلاء الإسلاميين
كانوا ينعتون "السياسة" بالنجاسة، ويعتبرون العمل
بها رجس من عمل الشيطان! وكانوا يُروجون للصبر على المظالم
خوفاً من "الفتنة". ومن ذلك قولهم المأثور "حاكم غشوم خير
من فتنة قد تدوم"... ولكن سقوط حاكم مصر الغشوم، رغم
دعواتهم التواكلية، فتح شهيتهم فجأة للعمل السياسي...
فنزلوا إلى المعركة، وخاضوا الانتخابات البرلمانية (نوفمبر
– يناير) وفازوا بحوالي 20 في المائة من الأصوات. أي أنه
بصرف النظر عن البداية التواكلية لفكرهم، إلا أن ثورة
اللوتس أدت إلى اندماجهم في العمل السياسي. وهذا مكسب
للتطور الاجتماعي في مصر، حتى لو اختلفنا معهم.
صحيح، أن الشباب الذين قاموا بالثورة، خرجوا
منها "بخُفي حنين"، أو كما يذهب القول الشعبي، كمن خرجوا
من "المولد بلا حُمص". ولكن هذا لا ينفي أن ما فعلوه في
مثل هذه الأيام منذ اثني عشر شهراً قد غيّر وجه مصر. ويكفي
أن نلقي نظرة على عناوين الصُحف يومي 23 يناير (2011) و23
يناير (2012). إن النُخبة السياسية التي ملأت أسماؤها
الصُحف منذ عام واحد قد اختلفوا تماماً، وحلت محلهم نُخبة
جديدة، وإن لم تترسّخ أقدامها بعد. نعم لقد أصبح هناك طبقة
سياسية جديدة، تتصدر العمل العام اليوم!
كذلك فالأهم من حيث حسنات ثورة اللوتس، هي أنها
كسرت جدار الخوف عند المصريين. فهاهم يُشاهدون أخر فراعنة
مصر، محمد حسني مُبارك، لا حول له ولا قوة،
مُمدّداً على سرير مُتحرك، وتتم مُحاكمته في العديد من
الجرائم التي تتهمه النيابة بارتكابها في حق أبناء مصر.
وهي أول مرة في تاريخ مصر المُمتد لآلاف السنين، التي يحدث
فيها ذلك. نعم عُزل وقُتل حُكام سابقون. ولكن ذلك كان يتم
على أيدي أفراد أو فئات من نفس الطبقة أو النُخبة الحاكمة.
أما هذه المرة فهي سابقة تاريخية ـ أي أن يقوم أبناء الشعب
بمُحاكمة رئيس لبلادهم، وأن يُطالب بعضهم بإعدامه.
كذلك من وجوه التغيير المحسوسة لثورة اللوتس، أن
الوجه الحضاري الواعي للشعب المصري قد ظهر بجلاء وبهاء.
فالأول مرة، مثلاً، منذ ثورة 1919، تُشارك المرأة المصرية
في الأحداث، ومنذ اليوم الأول للثورة. ورغم مُحاولات البعض
إخفاء المرأة، وحجبها أو تحجيبها، فمن المُستحيل أن تعود
المرأة إلى القُمقُم. وأكاد أجزم أن هذا المكسب وحده، هو
من أعظم مآثر ثورة اللوتس، إن لم يكن أعظمها على الإطلاق.
فمن خلال نساء مصر اللاتي شاركن في الثورة ستتفتح ملايين
من زهور اللوتس، وستستجيب لهن الأقدار.
وعلى الله قصد السبيل