الكاهنة التي كلفت مصر 3 مليار دولار
الخميس
،
12
كانون الثاني/يناير 2012
ما
أن قامت صحيفة التحرير بنشر مقال الأسبوع الماضي بعنوان
"الكاهنة تورّط المجلس العسكري في معركة خاسرة"، عن
الوزيرة التي خضرمت ثلاث حكومات مُتعاقبة، حتى انهالت
رسائل من مسئولين سابقين ومرؤوسين حاليين، يشكرون على
تناول هذا الموضوع، ويُقدمون مزيداً من المعلومات عن
الخسائر الفادحة التي تسببت فيها هذه السيدة للخزانة
المصرية نتيجة "عنتريتها" الزائفة.
من ذلك، أنها التقت بعض الشباب الثائر في ميدان
التحرير، وأوحت لهم أن "مصر غنية بمواردها المالية
الذاتية، ولا تحتاج مُساعدات أجنبية... وأن مثل هذه
المُساعدات تصبح ديوناً في عُنق مصر، وتصادر على استقلال
قرارها، وهم كشباب سيدفعون الثمن، إن آجلاً أو عاجلاً..."
وبالفعل انساق الشباب وراء كلام الكاهنة... التي
كانت أول من يعلم، بحكم ما تعرفه جيداً من جلسات مجلس
الوزراء ومُضابطة مكتوبة وموجودة أن الخزانة كانت خاوية
على عروشها، ولن تستطيع الحكومة أداء مُرتبات العاملين
فيها... لشهر يناير، فضلاً عن تلبية المطالب الفئوية
لأصحاب المظالم وللطامحين في تحسين أحوالهم المعيشية بعد
الثورة... وحينما واجهها البعض بهذه الحقيقة المُرة...
ادعت أنها لم تكن ضد كل المُساعدات الأجنبية، وإنما فقط
المُساعدات من الصناديق الدولية والحكومات الغربية...
وأنها مع المُساعدات العربية" وهكذا استمرت في
المُزايدات... وصعّدت بها من مُزايدات "وطنية – مصرية" إلى
مُزايدات "قومية – عربية".
طبعاً، في كلام الكاهنة بعض الصحة... فالوضع
المثالي هو أن تعتمد مصر على نفسها تماماً... ويلي ذلك
مرغوبية، أن نتوجه إلى الأخوة العرب.. ولكن المُشكلة أن
الأخوة العرب كانوا مشغولين في خمس انتفاضات شعبية
مُتزامنة ـ تونس ومصر، والبحرين، والأردن وليبيا... ثم إن
الأخوة العرب ليسوا جميعاً ودائماً جاهزون.. وباستثناء قطر
والسعودية، التي وعدت كل منهما بخمسمائة مليون دولار، أي
رُبع ما يحتاجه بند المُرتبات الحكومية الشهرية، لم يكن
هناك مصدر آخر غير اللجوء إلى مصادر خارجية ـ مثل البنك
الدولي وصندوق النقد الدولي، أو البنوك التجارية ذات
الفوائد الباهظة (5 إلى 7 في المائة سنوياً).. هذا في
الوقت الذي عرضت فيه الولايات المتحدة منحة مليار دولار،
وصندوق النقد قرض قيمته ملياري دولار بفائدة أقل من واحد
في المائة... وهو نفس ما عرضته كل من ألمانيا وفرنسا.
ولم تكن تلك العروض المُتناهية السهولة في
شروطها إلا بسبب الحفاوة التي استقبل بها الرأي العام
العالمي الثورتين التونسية والمصرية... وهو ما أطلق عليه
نفس هذا الرأي العام مُصطلح ربيع الحُرية.
وكان كل وزير مالية مصري يعرف هذه الحقائق...
وقد تعاقب منهم على ذلك المنصب ثلاثة في الشهور التسعة
لثورة 25 يناير... والوزيرة الكاهنة تزايد على كل منهم في
مجلس الوزراء وأمام شباب الثورة... ثم تدعي في النهاية
أنها لم تكن تقصد هذا.. ولم تكن تقصد ذاك.. وتضطر مصر في
النهاية إلى الاستدانة بشروط أكثر تكلفة.
ولم تكتف الوزيرة – الكاهنة بالمُزايدة وطنياً
وقومياً، على زملائها من وزراء المالية والخارجية
والتخطيط.. ولكنها دسّت أنفها أيضاً في شئون المجتمع
المدني والمنظمات غير الحكومية.. ومارست نفس الغواية
المُفضلة.. على وزير التضامن، واضطرته إلى مُجارتها، خاصة
أنه ذو خلفية "اشتراكية- تجمعية".. وربما كانت كثرة هذه
المُزايدات هي التي جعلت المجلس العسكري يرتكب حماقة إعطاء
الأوامر باقتحام مقار تسعة عشر مُنظمة غير حكومية.. ثم
الاعتذار والتقهقر عن ذلك بشكل مُهين، حينما احتجت
ألمانيا، ثم الاتحاد الأوروبي، وبعدهما بأيام، احتجت
الولايات المتحدة.
وفي ضوء هذا العبث من الكاهنة الحائرة، وانسياق
المجلس العسكري وراءها، اجتمع مُمثلوا ثلاثين مُنظمة مصرية
غير حكومية للاحتجاج على ما لحق مقار زميلاتها التسعة عشر.
واضطرت الحكومة مرة أخرى للتراجع، وطلبت من مسئولي هذه
المُنظمات العودة واستلام المقرات.. وهو ما رفضته تلك
المُنظمات، إلا بعد الاعتذار والتعويضات عما لحقها من
خسائر مادية ومعنوية!
إن لدى الشعب المصري والدولة من المُشكلات
والهموم ما هو أهم وأكبر من تلك المعارك الخاسرة التي
تفتعلها الوزيرة الحائرة مع المُجتمع المدني، الذي لا
تفهمه، لأنها لم تشارك فيه أو في أي عمل تطوعي أو ثوري في
حياتها. أنها فقط مُخلصة لما نشأت فيه وتمرّست به، وهي
البيروقراطية المصرية العتيدة. فهي بحق مثال فذ
"للبيروقراطي العصامي". وربما لهذا السبب وحده، كانت
الأقرب للبيروقراطية العسكرية، مُمثلة في المُشير
طنطاوي، وللبيروقراطية المدنية، مُمثلة في د. كمال
الجنزوري، رئيس الوزراء. فليهنأ هذا الثلاثي بصُحبة
بعضه بعضا، شريطة أن يوفر الحاجات الأساسية للشعب ـ من
مأكل وملبس وتعليم وصحة ـ وأن يبتعد عن العبث بقضايا
الحُريات العامة وأنشطة المجتمع المدني.. فهذه ليست مسائل
بيروقراطية، ولا يمكن التعامل معها بالأوامر، أو الرصاص،
أو اقتحام المنازل والمقرات.
إن مصر الثورة هي مصر الشباب، فهم وحدهم أصحاب
المُبادرة في تفجيرها ـ وهم وحدهم الذين سقط منهم أول
شُهدائها. ومع ذلك يبدو لكل مُراقب للمشهد المصري وبعد سنة
واحدة، أن هؤلاء الشباب هم الذين خرجوا "بخُفيّ حنين"، أو
كما يذهب المأثور الشعبي، مثل "الذين خرجوا من المولد بلا
حُمص".
وعلى الله قصد السبيل