وكانت الموجات المُبكرة لهجرة المصريين في
الرُبع الثالث من القرن العشرين (1950-1975)، إما إلى بلاد
النفط العربية في العراق والسعودية والخليج، أو إلى
القارات المُكتشفة حديثاً وهي الأمريكتين واستراليا. وبعد
ثورة يوليو (1952)، ولعدة سنوات اقتصرت الهجرة على
المصريين من أصول أجنبية (المتمصرين) ـ مثل اليونانين
والإيطاليين والمالطيين واليهود الذين كانوا قد احتفظوا
بجنسيات أوروبية. وظهر ذلك جلياً بعد العدوان الثلاثي
(1956)، ثم بعد الهزيمة في حرب يونية (1967). وشملت موجة
الهجرة في الستينات المصريين الأرمن والمصريين الشوام، ثم
المصريين الأقباط والمسلمين على السواء.
وساعد على زيادة هجرة الفريقين الأخيرين بعد حرب
أكتوبر 1973، أن الرئيس السادات حرر قوانين الهجرة
والجنسية ـ بما في ذلك السماح للمُهاجر المصري الاحتفاظ
بجنسيته المصرية، حتى لو اكتسب جنسية أخرى، وهو ما يُعرف
الآن بازدواج الجنسية. حتى أولئك الذين كانت جنسيتهم
المصرية قد أسقطت عنهم في العهد الناصري، لأسباب سياسية،
أعيدت لهم جنسيتهم المصرية في العهد الساداتي (بعد حرب
أكتوبر 1973). وانطبق ذلك في حينه على كاتب هذا المقال،
الذي كان قد تعرّض لهذا الحرمان خلال الفترة من سبتمبر
1966 إلى أبريل 1974، خلال سنوات رئاستي للطلبة العرب في
أمريكا الشمالية.
المهُم لموضوعنا، هو أنه مع حلول القرن الحادي
والعشرين، أصبح حلم ملايين الشباب في مصر، من كل الطبقات
والفئات والمهن والأديان والأعراق، هو الهجرة إلى خارج
الحدود. وأصبح لدى البعض من هؤلاء المُشتاقين، المُخاطرة
بكل ما يملكون، بما في ذلك حياتهم نفسها. ومن ذلك ما يقع
فيه بعضهم فريسة لتجّار التأشيرات، والذين هم في معظمهم
نصّابون، يستغلون شباب مصر ببيع حلم "الهجرة"، أو "عقد
العمل"، مُقابل آلاف الجنيهات، ليتضح لهؤلاء الشباب
التعساء، ولكن متأخراً جداً، أنهم باعوا أو باع أهاليهم،
ما أمامهم وما خلفهم، من أجل حلم الهجرة، والذي غالباً ما
يكون وهماً. ويدفع بعضهم لا فقط الثمن نقداً وعداً، ولكن
أيضاً حياتهم نفسها، حين يجدون أنفسهم على مراكب بدائية،
ليعبروا بها البحر المتوسط، بأمواجه العاتية من السواحل
الجنوبية الإفريقية، أملاً في الوصول إلى سواحله الشمالية
الأوروبية، وبحثاً عن "الفردوس الموعود"... والذي
سرعان ما يكتشفون وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة في "قوارب
الموت" أنه "فردوس مفقود" (انظر مقال المصري
اليوم: "العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا"
15/12/2007)
ولكن رغم مأساوية هذا الجانب من واقع قطاع من
المصريين المُعاصرين، إلا أن هناك جوانب مُضيئة لقطاع آخر
من المصريين الذين هاجروا هجرة شرعية إلى الخارج. وخلال
سنوات المنفى الثلاث الأخيرة، وما صاحبها من تجوال في بلاد
الله الواسعة، التقيت مصريين عددين من هذه الفئة. وقد
استقر المقام بمعظمهم في المهجر، وأنجبوا جيلاً ثانياً من
الأبناء، وكبر هؤلاء وأنجبوا جيلاً ثالثاً من الأحفاد.
وفي جولة مُحاضراتي الأخيرة في غرب الولايات
المتحدة، التقيت بعض هؤلاء في مدينتي سان فرانسيسكو ولوس
أنجلوس. ومنهم القاضي المصري ـ الدولي سامي عازر،
الذي كان قد شد رحاله إلى هذه البلاد في منتصف السبعينات.
وأستمر الرجل في مُمارسة مهنته القانونية التي كان قد
بدأها في مصر. ثم شعر منذ عدة سنوات أن أعداد المصريين في
جنوب ولاية كاليفورنيا يتزايدون، دون أن يكون لديهم وسيلة
يتواصلون بها مع بعضهم البعض في المهجر، ومع إخوانهم في
الوطن الأم. فبادر الرجل بتأسيس صحيفة عربية أسبوعية
سمّاها "المصري المُهاجر"، والتي يمكن الاطلاع
عليها يوميا على الشبكة الدولية.
وإلى جانب نشر أخبار أبناء الجالية المصرية في
جنوب كاليفورنيا خصوصاً، وأخبار المصريين في أمريكا
عموماً، فإن "المصري المُهاجر" تنشر أخبار الوطن الأم
نفسه، وهموم الداخل المصري، ومختارات من أعمدة ومقالات
الرأي لكبار الكتّاب. ولأن القاضي سامي عازر، رجل
قانون يعرف الأصول، فهو يحرص على استئذان الصحيفة والكاتب،
قبل أن يُعيد نشرها في "المصري المُهاجر". وحينما علم
الرجل بوجودي في سان فرانسيسكو، ودعاني لزيارته في لوس
انجلوس، التي تبعد ثلاثمائة ميل إلى الجنوب. ولأنني أحد من
يُعيد المستشار سامي عارز، نشر مقالاتهم ـ من "المصري
اليوم"، ومن "الدستور"، فقد لبّيت الدعوة
الكريمة. وقضينا معاً يوماً كاملاً، تبادلنا فيه الخواطر
والذكريات عن الوطن الحبيب، قبل العودة إلى الساحل الشرقي.
ولمن لا يعرفون، فإن المسافة بين الساحلين الشرقي والغربي
للولايات المتحدة تستغرق بالطائرة أكثر من خمس ساعات ـ أي
نفس ما تستغرقه الرحلة بين القاهرة ولندن، أو بين بغداد
والدار البيضاء.
وأثناء الطيران ذهاباً وإياباً، لا يملك الإنسان
العربي المهموم بشئون الأمة إلا أن يُقارن، ويُحاول
الإجابة على سؤال: لماذا نجح الآباء المؤسسون في ذات
الخمسين ولاية في وضع الدعائم التي وحّدت هذه القارة
المُترامية الأطراف؟ ولماذا لم ينجح آباء الاستقلال العرب،
ودُعاة القومية العربية عندنا، في توحيد واحد وعشرين
قُطراً عربياً؟
وقد سألني مؤخراً الناشط سامي دياب نفس
السؤالين. وقلت له أنني سبق أن أجبت أنا وآخرون على
السؤالين عدة مرات، ومنذ سنوات. ولكنه أصرّ على أن نظل
نُعيد الإجابة على الأجيال الجديدة، وهو منها، لعل وعسى أن
يُعيدوا المُحاولة وينجحوا فيما لم ينجح فيه جيل عبد
الناصر، وميشيل عفلق، وآل الأسد، وآل
صّدام حسين، وحزب البعث، وآل القذافي؟
وهذه هي إجابتي المختصرة، التي يُمكن تفصيلها
لاحقاً، إذا كان هناك قرّاء آخرون مثل سامي دياب،
من الذين ما زالوا يحلمون بوطن عربي واحد، بلا حدود، من
المحيط إلى الخليج.
لقد أصر الآباء المؤسسون لكل من الاتحاد
السويسري، والولايات المتحدة الأمريكية، على أن يتم
التوحيد بالإرادة الحُرة لمواطني كل قرية، وكل مدينة، وكل
إقليم، وأن يظل من حق الأغلبية التي تُحددها الدساتير، في
كل منها أن يخرج سلمياً من هذا الاتحاد. أي أن
"الديمقراطية" هي "الفريضة الواجبة" في كل حين، لا فقط في
العلاقة بين الولايات والأقاليم ولكن في داخل كل منها،
سواء في انتخاب الحُكّام دورياً، أو في سنّ القوانين، ولكن
للأسف فإن الديمقراطية فريضة غائبة في بلادنا إلى تاريخه.
لقد تمت عمليات توحيد بوسائل أخرى ـ من خلال
زعامات "كاريزمية" مُلهمة، أو انتفاضات شعبية. ولكن هذه
النماذج التوحيدية لا تصمد كثيراً أو طويلاً، فهي سرعان ما
تضعف ثم تنهار بعد رحيل الزعيم المُلهم، أو بخمود الهبّات
الشعبية. ولكن الذي يصمد هو ما يتم بالتراضي والإرادة
الحُرة لأصحاب الشأن وأصحاب المصلحة.
سألني نفس الناشط، الذي أسس مركز سمّاه "عرب بلا
حدود"، لماذا توقف جيلكم عن النضال من أجل الوحدة العربية؟
وكانت إجابتي هي أن أبناء الأمة العربية قد
ابتلوا بأنظمة مُستبدة، تضع النشطاء الوحدويين منهم وراء
القضبان، أو تطردهم وتطاردهم خارج الحدود. ومع ذلك تظل
هناك قلة صامدة، استمرت في الدعوة إلى نفس الأمنية،
وأبرزها في الوقت الحاضر، هو "مركز دراسات الوحدة العربية"
وليس صُدفة أنه لم يجد له مقراً آمناً، إلا في بيروت
بلبنان. فمهما وجّه عرب ولبنانيون النقد لنظام الحُكم في
ذلك البلد، إلا أنه يظل الأكثر حُرية، من الواحد وعشرين قطراً عربياً الآخرين.