عندما تنكمش الأوطان
مصيبتان وقعتا على رأس مصر فى
أسبوع واحد ، الأولى تمديد العمل بقانون الطوارىء والثانية توقيع اتفاقية لتقسيم
ماء النيل بدون مصر والسودان ! اتفاقية النيل بدون هبة النيل !! و لا أبالغ عندما
أقول أن قانون الطوارىء الذى تم تطبيقه هو أحد أسباب تمرد أقزام حوض النيل وتطاولهم
على مصر ، ودعونا نتناقش بالمنطق مستعينين بشىء من تسلسل الأفكار لنصل إلى العلاقة
السببية بين قانون الطوارىء وبين اتفاقية النيل المشئومة .
أليس العمل بقانون الطوارىء لمدة
تقترب من الثلاثين عاما هو درب من تكريس ثقافة القهر والقمع بين أفراد المجتمع
المصرى؟ أليس العمل بالطوارىء هو أحد مظاهر الحكم الشمولى البغيض الذى يرفض
الاختلاف فى الرأى ويرحب بالمعارضة مادامت كسيحة مشرذمة ؟ ذلك الحكم الذى لم يتوان
عن الاجهاز على أى محاولة لتقديم بديل محترم للوضع القائم .
إن ما يحدث
عندما يتسلط الحاكم ويستكين
المحكوم هو أن الاول يشعر بعظمته وتتضخم ذاته وهو يرى أنه يحيى ويميت ويسمع من
حاشيته أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما الطرف الثانى فى العلاقة
فيتقلص شعوره بالكرامة ويتلاشى احساسه بأهميته فيفقد كل قدرة بل أى رغبه فى التجويد
والإبداع ، ويكتفى بالسعى لتلبية احتياجاته الأولية.. ثم مع الوقت يكف حتى عن السعى
اعتمادا على الاتفاق الضمنى بينه وبين الحاكم هذا الاتفاق الذى يؤبد الرئيس فوق
عرشه مقابل أن يوفر الطعام لرعاياه الأبديين !
لكن المحكوم
ينسى
أن الحاكم ليس وحده فحوله حاشية جائعة تنهب وتسرق وكل فرد من الحاشية حوله حاشية
أخرى جائعة أيضا ولأن الحرام لا يسمن ولا يغنى من جوع ولأن الحاشية تتزايد كل يوم
يظل السارقون فى حالة جوع ونهم لا ينتهى ويستمر استنزاف موارد الوطن حتى يأتى الوقت
الذى يكتشف فيه المحكوم أن الطعام صار مستحيلا وأن الحصول على رغيف
الخبز المدعوم لم يعد ثمنه بقاء الحاكم فى الحكم بل صار عليه أن يدفع حياته
نفسها ثمنا للطعام . فيكتشف المحكوم أنه خسر كرامته وحياته معا فى صفقة خاسرة
وللأسف يكتشف المحكوم تلك الحقيقة متأخرا جدا بعد أن يفقد كل قدرة على الرفض
وكل رغبة فى المقاومة وبرغم أن الحاكم قد يكون فى مرحلة الاحتضار فوق العرش
أو ربما انه احتضر بالفعل وبدأ يتعفن إلا أن النظام يصير أقوى وأكثر شراسة بفضل
الحاشية التى تلتف حول الوريث سواء كان ورثا بيولوجيا أو أيديولوجيا.
وأصدقكم القول
أن
الشعب الذى يترك مقاليد أمره للمستبدين حتى يستشرى الفساد فى أوصال الوطن من
المصالح الحكومية إلى الجمعيات الأهلية فيصبح الجميع فاسدين مفسدين لافرق فى ذلك
بين حكام ومحكومين ومهما كان تاريخ هذا الوطن أو موارد أرضه أو امكانيات شعبه فإنه
يتقلص بشده.. ينكمش من داخله وكأنه مارد عظيم حكم عليه أن يدخل القمقم للأبد
وإن خرج فخروج العبيد يؤمرون فيطيعون ويصبح خيرهم لغيرهم وتصير قوتهم وبالا
عليهم، عبئا يحملونه ويؤخر مسيرتهم قرونا طويلة لا وقودا يدفعهم إلى الأمام.
إن الديموقراطية كفيلة
بصنع
أوطان من لا شىء ولعل الولايات المتحدة الأمريكية خير مثال على ذلك حتى عندما تخطىء
أصوات الناخبين وتضل طريقها إلى حاكم مجنون مثل جورج دبليو بوش تبقى الفرصة
قائمة لتصحيح الخطا وتعديل المسار ، أما الديكتاتورية فكفيلة بهدم أمم عظيمة ومحو
مجدها من كتب التاريخ عندما يختزل الوطن فى شخص الرئيس مهما كان مجنونا او ضعيفا أو
غبيا أو حتى قويا ، لماذا هزمنا بل ودهسنا فى نكسة 1967؟ هل لأن عبد الناصر كان
غبيا أو ضعيفا؟ لا .. ولكن لأن شعب مصر وقع على بياض لحاكمه ولأن شعب مصر سلم
أسلحته كلها وبقى أعزلا فى مواجهة دولة المعتقلات وعندما يجلد وطن بأكمله على يد
أبنائه لا يصبح غريبا أن يستعد كل حذاء أجنبى لدهس هذا الوطن وإهانة كرامته سواء
كان بالغزو أو بالاستبعاد من اتفاقية النيل.
بقلم\ ميادة مدحت
Mmedhat24@hotmail.com