|
عم سيد بتاع العيش
الأربعاء , 28 كانون الأول/ديسمبر 2011
الحصان
يعرف الطريق دون عناء.
يتوقف أمام الدكان في مكانه اليومي، ومن ورائه عربة من عهد
رعاة البقر.
خشبها قديم، تستر أغلبه آثارٌ كالحة من لون أخضر عتيق.
السائق يهبط من مجلسه بجلبابه البلدي وطاقيته المثبتة فوق
رأسه بإحكام. يلقي تحية الصباح على عم سيد. وجهه باسم، مستدير كرغيف
الخبز، متورد بنضارة
الشباب. يضع الكرباج في جرابه، ويتقدم نحو الحصان الملتفت إلى الوراء،
يهمس له ببضع كلمات، ثم يضع أمامه على الأرض حزمة صغيرة من أعواد
البرسيم الطازج، فينحني إليها الحصان برأسه
وينشغل
بهمومه الخاصة.
يكون عم سيد قد نهض من جلسته. ورد التحية بصوت مثقل
بالبلاغم ونظرات مترعة ببلاهة متأصلة.
- صباح الخير يا عربي.
ثم ينبري في فاصل عتاب على تأخر العربة.
لا يزال الوقت مبكراً جداً، ومع ذلك يتواصل العتاب.
يعرف الشابُ أن هذا العتاب جزء من الروتين اليومي فيبتسم عربي
دون كلمة
وهو يفتح باب العربة من الخلف ويسحب "جِريدة"
خبز بخفة، ويتجه بها إلى خزانة كبيرة في أحد جانبي الدكان، فيضعها
على
رف فارغ،
ثم يعود إلى العربة ويسحب جريدة أخرى، ثم ثالثة، ورابعة
حتى يفرغ من المهمة.
ثم يشرع في جمع الجريد الفارغ من أماكنه في جانب من الخزانة
ويعود به إلى العربة. يغلق بابها، وعندئذ يمسح بكمّه
الأيسر حبات العرق الصغيرة اللامعة فوق جبهته. يسحب من جيب في جانب
الجلابية ما يشبه النوتة الكبيرة، يناولها لعم سيد ويتلو عليه ما سلمه
وما استلمه، تاركا له مهمة التدوين بخط يده، ثم كتابة سائر التفاصيل.
ثم التوقيع بالختم، وبعد
التأكد من البيانات يقول عربي بابتسامة:
- طب عن إذنك بقى يا عم سيد.
- مع السلامة يا عربي .. سلم على ابوك.
تنصرف العربة. ويعود عم سيد إلى خزانة الخبز، فيرتب الجريد
قبل أن يعود إلى كرسيّه
المتصدر مدخل الدكان. يرفع قدمه اليمنى ليستقر كعبها على حافة الكرسي،
ثم يبدأ العبث
بين
أصابع قدمه. ثم يتمعن في الفَرْك
بإصرار وتلذذ ناقلا نشاطه بين القدمين دون كلل. وبين حين وآخر يرفع
يده إلى أنفه ليتشمم
الرائحة بتدقيق واهتمام.
عم سيد لا يحب إعطاء الخبز الطازج قبل الفراغ من كل
رغيف بارد أو بايت.
معظم زبائنه من الصبية وصغار السن أو الوافدين من شوارع مجاورة لا
يعرفون هوايته. أما هو فيجادل الكل بصوته العدواني المرتفع كلما
اشتهوا رغيفا طازجا صائحا بعناد:
- طب وده أعمل به إيه؟؟
مشيرا بيده إلى الخبز
غير الطازج،
ومتطلعا إلى أعلى في بلاهة كأنما يخاطب شخصا خفيا يتابع الموقف من
فوقه.
وإزاء إذعان الزبون لصياحه الأجش، يتجمد المنظر لحظات قبل أن
يمد
عم سيد
يده الممتلئة بآثار قدميه فيلتقط رغيفا وراء رغيف، يمسحه على جلبابه
عند فخذه اليمنى.
أو
يمسك برغيفين، يضربهما بقوة في بعضهما البعض
ثم
يمسحهما على جانبي جلبابه ويسلمهما للمشتري.
بهذه الطريقة، ولقلة المقبلين على الدكان، لا يتهنّأ أي من زبائن عم
سيد برغيف واحد طازج إلا في أحوال نادرة، وأما الخبز الساخن الطازج
فيتركه عم سيد للهواء يحوله رويداّ إلى خبز قديم بينما يمارس نشاطه
المفضل بين أصابع قدميه.
دكان عم سيد هو الوحيد المتبقي من صف من الدكاكين
كانت تمتد
على يمينه وشماله وعلى الرصيف المقابل.
عن شماله تحول دكان عم ابراهيم المكوجي إلى مغسلة عصرية
متطورة، تعتمد على الميكنة، تتدلى فيها الملابس النظيفة من شماعاتها في
أكياس كبيرة من النايلون عليها بطاقة مكتوب عليها بيانات السعر واسم
صاحب الملابس؛ وعن يمينه تحول دكان عم سعد الجزار إلى جزارة تنطق
بالنظافة والاعتناء، تصطف خلف واجهته الزجاجية قطع اللحم الممتازة
مرصوصة بنظام جميل جذاب، واتسع العمل في الجزارة ليشمل الدجاج والديوك
الرومية إلى جانب عدد لا بأس به من صناديق الخضر الطازجة والفاكهة
تتصدر مدخل الدكان على الأرض النظيفة على الدوام، مكسوة بنشارة الخشب،
وفي هذا الجو يقف عم سعد مؤديا عمله بابتسامة لا تفارق شفتيه مرتديا
معطفه الأبيض كـأنه طبيب وليس قصاباً. ومن بعد محل الجزارة تحول دكان
الأسطى محمود الرفّا إلى معرض أنيق للسجاد الحديث والأصيل. أما الأسطى
ناصر العجلاتي صاحب الدكان المواجه لدكان عم سيد على الرصيف المقابل
فقد تحول إلى معرض سيارات بعد أن توسع واشترى دكانا على يمينه كان يبيع
الثلج والمياه الغازية ودكانين على يساره أحدهما كان لسباك، والثاني
لقهوجي يبيع بعض أكواب الشاي وأقداح القهوة. وعلى إثر تلك التطورات
تحولت المنطقة إلى ما يشبه المركز التجاري العصري، تُزين محالَّه
مداخلُ من الرخام البديع، وأضواءٌ مبهرة تتلألأ بالأسماء الجديدة،
وتنبعث منها أنغام موسيقية جميلة.
ولم يلبث عم سعد الجزار أن زاد على بضاعته كل أنواع الخبز
الحديث، مغلفة بأكياسها المغلقة بإحكام فلا تتعرض لغبار ولا تمسسها يد
ولا قدم! وتنافست كل الدكاكين على مسايرة التطور فنشرت أصص الزرع
والورود الجميلة أمام مداخلها إلا عم سيد، فقد ترك دكانه في حالة من
القذارة والإهمال جعلته كالنغمة النشاز بين جيرانه.
مصباح يتيم يتدلى من سقف الدكان ينشر ضوءه الضعيف عل أركان
الدكن الممتلئة بأكوام من المهملات والجرائد القديمة والأجولة الفارغة،
وفي صدر الدكان يجلس عم سيد على كرسيّه يمارس العبث بهمة بين أصابع
قدميه القذرة، وبين حين وآخر ينتفض جسده الهزيل بنوبة من السعال حتى
يبصق من فمه حصيلة البلاغم على دفعات غليظة ثم يمسح على شفتيه براحة
يده قبل أن يعود إلى هدوئه وهوايته. وكثيراً ما كانت بعض القلوب ترق
لحاله فتتحسر على ما آلت إليه أحوال الرجل.
أما عم سيد، فكان يصيح أحيانا بصوته الأجش المرتعش بالبلاغم،
ناظراً إلى أعلى بطريقته البلهاء: أنا عارف الناس بتحب إيه في عيش
النهارده اللي يلبّك البطن، خلاص، نسيوا عيش زمان اللي اتربينا عليه
أبّاً عن جد! ثم يجلس على كرسيه ويرفع قدمه ليمارس متعته قائلاً
بحيرة: أكيد واحد ابن أحبة عامللي عمل عشان يوقِف حال الدكان! |