أَبْجَدْ هَوَّزْ . . أنا مُعْتَصِمٌ
بعد كتابة المقال السابق، والذي كان عن
العدالة، وقبل صدور عدد مايو آيار بيوم واحد،
حدثت أحداث ما عرف باسم حادثة "كتر مايا" في
لبنان وما حدث فيها من إتهام شاب مصري بقتل
زوجان عجوزان وحفيدتاهما وما تبعه من قيام أهل
القرية بقتل الشاب وسحله وتعليق جثته على
عامود إنارة في ميدان القرية. لا شك أن قتل
أربعة أبرياء عجزة وأطفال عمل بشع يستنكره كل
إنسان ولا يمكن أن يقوم به إلا شخص تجرد من كل
الصفات الإنسانية وحتى الحيوانية . وفي حالة
كهذه تتولى السلطة التحقيق وتقديم الفاعل إلى
العدالة لينال القصاص.
لكن أن يتولى العامة الحكم والقصاص والغلو فيه
لدرجة التنكيل بالجثة وهو عمل مجَرَّم ومحرم
في كل الشرائع، يشير إلى خلل ما أصاب
المجتمعات. أفْهَم أنه أمام بشاعة الجريمة
الأولى أن ينفعل البعض وخاصة أهل الضحايا
ويؤتون من الأفعال ما لا يأته الشخص الطبيعي.
لكن أن تنتاب قرية بكاملها هذه الحالة، فهذا
ما لا تفسير له إلا عند علماء الاجتماع.
والمحير في الأمر أن اللبنانيين من أكثر شعوب
العالم تعليما وانفتاحا. لقد اندفع الجمع
وحكموا على من قيل أنه الفاعل، دون انتظار
لتحقيق هو حق أصيل لأي متهم، ثم قاموا بالعقاب
في أبشع صوره.
هذا يقودنا مرة أخرى إلى مسألة العدالة
الغائبة. مؤكد أن هذه الجموع التي خرجت بفعلها
عن كل منطق وقانون إنساني، رأت أن تتولى تحقيق
العدالة بمعرفتها .ربما لأنها ، وفي العقل
الباطن واللاشعور، لم تعد تطمئن لقيام السلطة
المنوط بها تحقيق العدالة بتأدية واجبها
فسارعت بالتنفيذ دون انتظار وهي هنا تضرب
العدالة في مقتل.
غير بعيد عن قرية كتر مايا في لبنان، كان وما
يزال مشهد آخر يتعلق بتحقيق العدل يحدث في
عاصمة أكبر دولة عربية ، في القاهرة. وأمام
مقر السلطة التنفيذية ( الحكومة) والسلطة
التشريعية ( مجلس الشعب) يتجمع على أرصفة
الشوارع مواطنون يئسوا من الوصول لما
يعتبرونها حقوقا. وسدت في وجوههم كل سبل تحقيق
العدل فلجأوا إلى الاعتصام. نعم الاعتصام، وهو
مصطلح مرشح لاستمرار تداوله يوميا في الصحف
والقنوات الفضائية وكل وسائل الإعلام، طالما
بقي هناك بشر يشعرون بالظلم وفي غيبة أي من
المؤسسات التنفيذية والقضائية والتشريعية
المنوط بها البحث في حقوق المواطنين. وفي وجود
مسئولين كبار من وزراء وأعضاء البرلمان الذين
يمرون أمامهم يوميا بسياراتهم الفارهة دون
الالتفات إلى مطالبهم أو حتى التوقف لسؤالهم
عن مشاكلهم.
لقد استخدم المعتصمون كل وسائل التعبير والضغط
إلى أن وصل بهم الحال إلى خلع ملابسهم والنوم
في عرض الشارع. ولخلع الملابس، تعبيرا عن
العجز، مدلول عند المصريين عندما يقولون
"حاطلع من هدومي" تعبيرا عن اليأس وقلة
الحيلة. المدهش في مسألة الاعتصامات أن
القائمين على الأمر لم يعودوا يشعرون بأي عار
ولا خجل من صورة مواطنيهم تتناقلها وسائل
الاعلام المحلية والعالمية وهي صورة مخجلة بكل
معنى الكلمة. نحن أمام معادلة مفادها أن هناك
فئات من المجتمع يئست من تحقيق العدل بالطرق
العادية فلجأت إلى طرق أخرى حتى لو كانت خلع
الملابس والنوم في قارعة الطرق، وفي المقابل
سلطة تطبق مبدأ "أذن من طين وأخرى من عجين".
أليس في هذا البلد من عقلاء يخافون على سلامه
الاجتماعي وصورته في الداخل والخارج، والتي هي
أحد مصادر القوة لأي بلد، ليتدخلوا لوضع نهاية
لهذه المأساة الملهاه؟؟ أليس هناك من
المسئولين من يبتغي تحقيق العدل للناس؟؟ لكل
الناس؟؟ . مازال عندي الأمل.