رئيس التحرير يكتب عن "هيلين توماس"
.. عميدة الصحفيين بالبيت الأبيض
هيلين توماس:
حين فاجأنى الصديق " حاتم حلمى" - المستشار الاعلامى
للقنصلية المصرية بكاليفورنيا – بسؤاله الذكى عن معلوماتى عن
واقعة هيلين توماس .. لم أكن قد قرأت شيئا عن الواقعة .. حيث
كنت خارج لوس انجلوس لمدة أربعة أيام بدءا من يوم الاثنين
السابع من يونيو .. و قطعت على نفسى عهدا بأن لا أقرا أو
أكتب سطرا فى هذه الرحلة القصيرة ..
وبمجرد أن انتهيت من الحديث .. أسرعت الى الكمبيوتر باحثا والى
ذاكرتى منقبا ..
هيلين توماس التى أذكرها منذ أن التقيت بها – فى لقاء خاطف -
سنة 1992 فى المؤتمر الدولى للمحكمين الدوليين الذى شرفت فيه
بتدريب مئات من المحامين والقضاة - من دول عدة - على قواعد
واصول التحكيم الدولى .. والذى التقيت فيه أيضا ب "ميكى
كانتور" الصديق الشخصى لأسرة "كلينتون" والذى صار وزيرا
للتجارة فى الفترة الرئاسية الاولى ل "بيل كلينتون" .. هيلين
توماس امرأة حادة الملامح .. تستمتع بشخصية قوية .. تبلغ من
العمر الآن 89 عاما .. ذات أصول لبنانية .. تربت وترعرعت فى
مدينة "ديترويت" بولاية ميتشجان .. شقت طريقها بالظفر والناب
بدءا من محققة صحفية فى أوائل ستينات القرن الماضى .. وكافحت
لتصل مع بنات جنسها الى المكتب الصحفى بالبيت الأبيض ثم عميدة
لهذا القسم اللامع .. محط أنظار العالم ..
وكل من تابع لقاءات وكتابات هيلين يعرف عداءها الشخصى لاسرائيل
وانتقاداتها المتكررة للدولة اليهودية .. فكثيرا ما كتبت عن
عدم قانونية المستوطنات الاسرائيلية .. وتصدت فى عامودها
الدائم لمساعدات الولايات المتحدة لاسرائيل .. واتهمت
اسرائيل باستعمال القوات الحربية لفرض سطوتها على الفسطينين
..
استقالة "هيلين توماس " فى السابع من يونيو من موقعها الدائم
فى المكتب الاعلامى بسبب التعليقات التى تفوهت بها ضد اسرائيل
لأحد المنتجين السينمائيين فى الشهر الماضى ما زالت تدوى فى
الجرائد والمنتديات الثقافية ..
على يهود اسرائيل أن يرحلوا عنها سريعا الى "بلدهم" (قالت
هيلين) ولما سألوها عما تقصده من كلمة بلدهم قالت" هولاندا
والمانيا وامريكا أو أى مكان آخر .. والواقع انها كانت أكثر
حدة من ذلك حين سألوها فى بداية الحديث ان كانت تحب أن تضيف
تعليقا عن اسرائيل فأجابت " قل لهم أن يخرجوا فورا من فلسطين"
..
وكان من الطبيعى أن تنبرى جميع القوى والمنظمات اليهودية
لمهاجمة المسكينة بضراوة .. حتى زملائها ومن يعملون تحت
اشرافها تنصلوا من حقها فى ابداء ما أبدته وما تفوهت به .. مما
دفعها الى الاستقالة الفورية ..
ان
حق التعبير وابداء الرأى فى الولايات المتحدة يحميه الدستور ..
وقد دأبت المحاكم الى حماية هذا الحق من كل قيود حتى صار مطلقا
عابثا حتى بالأديان والمعتقدات .. وقد استغلته الميديا وشركات
الانتاج السينمائى للاثارة والتهييج بقصد التربح من جماهير
المشاهدين الذين لا يؤمنون الا بالمتعة الوقتية ..
أما اسرائيل وأعوانها الذين يسيطرون على قطاعات ضخمة من
الميديا الأمريكية .. فقد كانت دائما بمأمن من أى هجوم ..
تتصدى بضراوة لكل ما يسئ اليها أو يتعرض لتصرفاتها .. فقد صارت
احد الاستثناءات القليلة المفروضة على حق التعبير وابداء
الرأى..
ولذلك .. فلم يشفع لـ
"هيلين توماس" اعتذارها الذى سارعت بابدائه حتى تمتص غضب
الغاضبين .. ولم يشغع لها شيخوختها ولا أقدميتها ولا خدمتها فى
البيت الأبيض منذ عهد كنيدى .. لأنها فى رأى المنحازين
لاسرائيل قد تعدت كل الحدود وعبرت الخط الأحمر الذى يحجب النقد
المباح عن القذف المعاقب عليه قانونا ..
تحياتى ..
رئيس التحرير
sami@almasry-almohager.com