انها صورة من صور كفاحنا الرهيب الذى خضناه ضد قوى
الاستعمار..
أنها دماء على القنال ..
أنها نار ونور ..
نار الكفاح ونور الذكرى..
الوجوه الحمر كثيرة .. كثيرة كحصى الرمل .. والناس
الأغراب من بلاد العجائب .. يزحفون كالنمل !
يزحفون .. حتى طرق سمعى صفع نعالهم على للأرض ..
واذا بالمرجل يغلى .. واذا بالأتون كالسعير !
واذا ومضات النيران تنطلق كالخفق من صدرى .. واذا
بالوجوه الحمر تتساقط على الأرض .. وكانت هناك
صرخات مجنونة يقتلعها ألم مجنون !
وكانت الصفوف ..ماتزال هناك.. هناك بعيدا .. بعيدا
جدا.. وهناك قريبا وقريبا جدا ..
وكانت كثيرة .. صفوفا طويلة .. كأنها أحداث الزمن
!
وكانوا يقبضون بأيديهم المتشنجة على قطع الحديد ..
ومن خلال ظلال الغروب .. كانت عيونهم التى نبتت
منذ الدهر السحيق .. فى وجوههم الحمر ! كانت
عيونهم تخط معنى ذليلا كضحكة الباكى أو رقصة
المذبوح .. وكان الجهلة لايفهمون .. وكان الجهلة
لايعرفون !
لماذا يقاتلون ؟ ومن أجل من يموتون ؟!
وكانت المعرفة تأخذ فى مقابل سرها سرهم .. فكانوا
يموتون .. ولايعلمون ..
وكانت ومضات النيران تنطلق من أفواه الحديد بين
أيديهم .. وكنت خلف الصخرة .. وكانت بجوارى جثة
شهيد يتدفق منها الدم كالينبوع وكان الحديد ملقى
بجواره .. صامتا كأنه الحزن !
وكان مايزال فى رأسى عينان .. وكنت وحيدا ..سوى من
الدم .. والوجوه الحمر .. كثيرة .. كثيرة ..
كأنها الطوفان ..
وتراءت لى حياتى .. كل حياتى .. كأنها اللحظة !
وكانت أيامى .. وكانت أحلامى .. وكانت ذكرياتى ..
وسمعت صوت أمى .. وسمعت صوت أبى .. وتناهى الىّ
حفيف ثوب جدتى!
وكانت الأصوات كثيرة .. خيل الىّ انها تنبع من تحت
قدمىّ .. ووجوه كثيرة كانت تطل من بين مسام الأرض
.. ترمقنى فى اعجاب وتستحثنى فى فخر .. وعرفت فيها
وجه جدى .. بلحيته الطويلة البيضاء وبسمته الوادعة
ونظراته الصافية .. وكان يهمس فى حنان ..
" يا طفلى الصغير لا تتخل عن بيتى ! "
وانتصبت خلف الصخرة ..
وكانت عيناى بعيدا .. فرأيتنى كالمارد !
وومضت النار فى صدرى ..
ودارت يمينا .. ودارت يسارا ..واستدارت وراء ..
وعادت أماما ..
وتساقطت الوجوه .. وجوه كثيرة ..
وتعالت الصرخات .. صرخات هائلة اقتلعها ألم مجنون
!
وكان الحديد بين يدىّ ما زال يومض ..
وكنت أمشى والصفوف من حولى تتداعى .. والناس
الأغراب من بلاد العجائب يتسااقطون .. يتساقطون
كالفراش .. أمامى وورائى وعن يسارى وعن يمينى ..
وكانت هناك جموع كثيرة .. كثيرة غير التى يبتلعها
التراب !! وكان الحديد بين أيدى أصحابها يومض
أيضا ! ..
وأحسست بوخزات ملتهبة كثيرة .. فى صدرى وفى فخذى
وفى ذراعى .. وكان ينبوع ساخن يتدفق من كل شبر من
جسدى ..
وغبت عن الوعى .. عن كل ماحولى .. ومن حولى ..